محمد غازي عرابي
1156
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة عبس بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 1 إلى 11 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) [ عبس : 1 ، 11 ] الخطاب من المطلق إلى المتعين ، أو من الحق إلى العبد الذي هو محل الخطاب ، فالخطاب كما قلنا داخلي نفسي يدور بين شقي الذات الكلية والذات الجزئية ، والذات الكلية عليمة ، حكيمة ، خبيرة ، لطيفة ، نورانية ، لها العلم المبين ، والذات الجزئية موضع صفة ، فهي محل اختبار ، ولهذا أوتيت قوى الصفات السبع كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام . والذات الجزئية موجهة ، ولهذا قال الصوفيون الإنسان مجبور في اختياره ، وكذلك قال أرسطو ، فالموصوف يسعى لتحقيق صفته علم هذا أم جهل ، شاء أم لم يشأ ، والنبي كتعين جزئي كان يرى بعقله الجزئي ضرورة استمالة وجوه العرب ورؤسائهم دعما للدعوة وتأييدا لها ، فالرئيس فوق المرؤوس ، والغني ليس كالفقير ، وقال : اليد العليا خير من اليد السفلى وقد دعا النبي ربه أن يؤيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل ، ولكن اللّه صاحب العلم الكلي يرى ما يراه صاحب العلم الجزئي وفوقه وأمامه فهو سبحانه آتى كل نفس هداها ، وهو سبحانه قدر ألا يبعث نبيا إلا اتبعه الفقراء والمساكين وقيل الأراذلة أيضا ، وسبب نزول السورة أن النبي كان يتحدث مع عين من أعيان قريش يرجو إسلامه فجاءه أعمى هو عبد اللّه بن أم مكتوم ، فرغب عنه إلى من هو في قومه وجيه ، فكان العتاب ، والعتاب نفسه يؤكد كون النبي وحيا يوحى إليه ، وعبدا مصطفى يوجه وتسدد خطاه ، والنبي لم يك ذا علم ، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فالحق هو الذي علمه وهو الذي أدبه ، ونزول هذه السورة بالذات يثبت أن القرآن منزل من الغيب على النبي ، وأنه ليس من وضع النبي وتأليفه ، فمن غير المعقول أن يلوم مؤلف نفسه ، ويعاتبها ، ويكشف نقصه للناس ما دام هو الخلاق والمؤلف . وثمت نقطة ثانية في الموضوع ، فلقد تحدثنا عن أن الإنسان صاحب إرادة جزئية هي جزء من الإرادة الإلهية موهوبة له ، فهذه الإرادة موجودة ، وإذا أضيف إليها الوعي الحسي الذي تتميز به الأنا الجزئية كان الناتج الوجود الإنساني الجزئي الذي له وعي وإرادة وقدرة وتصرف